الشيخ علي المشكيني
343
رسائل قرآنى
نفسه يقع مورداً للحساب والنقاش ؛ لكونه ممّا في النفوس وكلّ ما فيها يحاسبنا اللَّه به . إن قلت : إنّ غالب الأوصاف والملكات حاصلة للإنسان بمقتضى الخلقة والفطرة بإيداع اللَّه تعالى ذلك في طبع الإنسان ، أو بحصولها من ناحية تأثير أفعال الأبوين وصفاتهما ، أو تأثّر قضاء الاجتماع وسننهم وطريقتهم ، فليست أمراً اختياريّاً حتّى يحاسب الإنسان عليه ، نعم لا بأس به فيما حصله بنفسه وباختياره . قلت : الأمر وإن كان كذلك إلّا أنّه لا اشكال في أنّ للإنسان أن يراجع نفسه ، وينظر في حالاته وملكاته وصفاته ، ويطالع بالدقّة والتدبّر والتأمّل التامّ كتاب نفسه ، فما وجد فيها من الرذائل والخصلة العائبة ، له أن يصلحها ويغيّرها ويبدّلها بوسيلة الطاعات والأعمال ، ولا أقلّ من المراقبة حتّى لا تدخلها في المعاصي ، ولا تجرّه إلى العصيان والطغيان ؛ ألا ترى ما في الأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السلام من وقوع الذمّ الأكيد والتقريع والتوبيخ للحسد والحاسد ، والكبر والمتكبّر ، والقسوة والغفلة ، والجبن والبخل ، والشره والعجب ، وغيرها من أوصاف النفس ؛ فليس ذلك إلّا لكون دوامها وزوالها أو حفظها عن التأثير واقتضائها للأعمال المناسبة لها اختياريّاً للإنسان ؛ فالمحاسبة لها أمر تستحسنه العقول ويعمّه الموصول . مع أنّ هذا الإشكال وارد في العقائد أيضاً ؛ فإنّها قد تحصل للإنسان بلا اختيار منه من جهة تلقين الآباء وأفراد الاجتماعات ، ومع ذلك لا إشكال في كونها ممّا يحاسب عليه . وقوله : إنْ تُبْدُوا . . . إبداء العقائد وإخفائها أمر معلوم ، فقد يقرّ الإنسان بلسانه على كفره وإيمانه وبيان عقائده من أصول دينه ومذهبه ؛ وهذا إبداء قولي . وقد يفعل اموراً ويوجد أفعالًا تدلّ على عقائده ، وتكون مظهرة لما في قلبه من إيمان وكفر ، من فعل الخيرات والشرور ، والأعمال الصالحة والسيّئة ؛ وهذا إبداء عملي . وأمّا الصفات والملكات فإبداؤها قولًا يكون بالإقرار على وجود تلك الصفات في النفس ، والإبداء عملًا بعض ما تقتضيه الصفات الحسنة والقبيحة . ثم إنّ الإبداء القولي في العقائد بمعنى الإقرار باللسان على طبق ما اعتقده قلبا أمر مهمّ